الشيخ محمد آصف المحسني

130

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

أن ما قيل في امتناعه وبطلانه كان مزيّفا ضعيفا ، فإذن يتعيّن تعيينا تعبّديا لا عقليا التدين والاعتقاد بهذا المسلك ؛ لما مرّ في فوائد المدخل من إقرار العقل بتصديق قول المعصوم . خلاصة المقال في تنقيح المقام قد استبان ممّا ذكر أن النظرية الفلسفية المذكورة لا تتمّ إلّا بأمور : 1 - كون إرادته عين ذاته ، وإلّا كان الفعل بالنظر إلى ذاته المقدّسة ممكن الصدور واللاصدور . 2 - كون الغرض من فعله نفس ذاته ، وإلّا لكان وجوب الفعل بلحاظ ذلك الغرض دون ذاته . 3 - قدم العالم إذا أمكن أزلية الممكن . فإذا لم يثبت واحد من هذه الأمور فقد انهدم بناؤهم من أساسه ، ولكن لا يلزم منه صحّة قول المتكلّمين كما يظهر من مراجعةما سبق . نعم إذا ثبت حدوث العالم وأزلية الممكن ، ثبت اختياره تعالى ؛ إذ عدمه في الأزل مستند حينئذ إلى إرادته تعالى ، فيكون الواجب متمكّنا من الفعل والترك ، فتأمل . فمجرّد بطلان قول الفلاسفة لا يكشف عن صحّة قول المتكلّمين ، فإنّها موقوفة على إمكان صدور الفعل وعدمه بالنسبة إلى ذاته تعالى ، وإلى داعيه ، وعدم كون الإرادة واجبة . نعم الوجوب الناشئ من الإرادة - المسمى بالوجوب السابق - لا ينافي الاختيار ، فإذن اختياره تعالى وإن كان ثابتا من جهة الشرع كما مرّ ، إلّا أنه غير ثابت من جهة العقل ؛ لما عرفت من عدم تمامية أدلّة أرباب الكلام . هذا ، والذي يدلّ على حقية مذهبهم هو قاعدة الملازمة المتقدّمة ، فان القدرة الواجبة التي تستلزم التمكّن وصحّة الصدور واللاصدور ممكنة الثبوت للواجب ؛ لما عرفت من بطلان دلائل الفلاسفة ، فهي إذن ثابتة له ، فهو قادر مختار أي له أن يفعل وله أن لا يفعل . ويمكن أن يستدلّ أيضا بأن الاختيار بهذا المعنى كمال للقادر بلا شك ، وأنّ ما يزعمه أهل الفلسفة نقص له ، وحيث إنّه لجميع الكمالات ، بل لا كمال إلّا وهو معطيه ولا سبيل للنقص اليه ، فهو مختار بالمعنى الذي اثبته الكلاميون لا غير ، واللّه الهادي . تنبيه اختياره بهذا المعنى وإن ادّعاه المتكلّمون بأجمعهم ، بل مرّ أنه ضروري من دين الاسلام ، لكنه لم يتديّن به - حقّ التدين - إلّا الطائفة الإمامية الذين أخذوا أصولهم وفروعهم من آل محمد صلى عليه وعليهم أجمعين ؛ فإن الاعتزاليين قالوا بالثابتات الأزلية ، والأشعريين بالقدماء